هو الذي يعتبره النقاد صاحب أول لوحة تجريدية في الفن التشكيلي
المغربي، وكان ذلك سنة 1952. وقد تمكن من إنجازها بعد أن إكتشف قوة الرمز وسحر
العلامة في الجسد المغربي وقدرة الهندسة المحلية وتشابكاتها الخطية واللونية التي
نسجتها الأيادي في المعمار وفي اللباس، ما بين الجبل والبسيطة، وما بين الثقافة
الأمازيغية العريقة والثقافة العربية العالمة عبر الحرف العربي وتحويلاته الرسمية
المجسدة في القرآن. فخلق المزيج الفريد ما بين ثقافات مختلفة ومتعاضدة في نفس
الوقت.
وقد فعل لأن
والده كان سليل أحد الأولياء الصوفيين الشهيرين، بوعبيد الشرقي، وأم من القبائل
الأمازيغية المجاورة لمدينته أبي الجعد. الشيء الذي مكنه من اكتشاف المزيج الأصلي
الذي في جسده ونقله نحو جسد اللوحة. وكانت ولادته سنة 1934 بأبي الجعد، وعاش طفولته بالبادية في بطاح
تادلة الواسعة. ثم التحق بالدار البيضاء حيث درس وفيها اضطر للعمل في الإشهار
والملصقات لكي يتمكن من موارد الدراسة بفرنسا. وعاش في باريس وفارسوفيا ببولونيا
حيث حصل على شهاداته وأتقن قدراته الفنية ومرن ريشته وعمق معارفه. في باريس تأثر
بأعمال روجي بيسيير والشهير بول كلي. وقد صرح أمام لوحات بيسيير قائلا : « لما
رأيته أول مرة كنت جد متأثر حتى أني بكيت. لقد شعرت بصدمة غريبة إزاء أعماله، كنت
أرى أمامي الجمال مجسدا». لقاءاته المتكررة مع التشكيل الحديث في متاحفه ومدارسه
ومع فنانيه رسخ مخزونه بالمعارف والأدوات وككل ذي عقل نير وفكر وبداهة متقدين لم
ينخرط في الموضوع الغربي المطروح أمام ناظريه بل اتجه داخلا صوب مخزونه الذاتي
الثقافي ليجد المواضيع والتي كان في الحقيقة قد جهزها لديه قبلا. في المغرب شرع
الشرقاوي في ملاحظة ودراسة الوشم والرسوم والتخطيطات على الأواني والخزفيات، لكنه
ما لبث أن كسر نمطيتها وجمودها فأدخلها في تركيباته التشكيلية التي ترتكز على
أسندة متميزة، فأبدع لغة خاصة به وقد ايتعد تماما عن التشخيص. وستتوالى الإختراقات
الإبداعية تباعا خلال الستينات. وهكذا استعمل العلامة بشكل حركي مشدود وخالص
مستعملا الألوان الأحمر والأزرق والأخضر. ثم أنجز مشروع « المرايا» و هي عبارة عن
الأكريليك على سند خشبي صلب contreplaqué حيث بنيت
العلامات بألوان حية وقوية. وسنة قبل وفاته شرع في استعمال أسندة مختلفة منها
الجلد. وفيها تبدو الأثار البيضاء أكثر قوة والألوان أكثر تركيزا مانحة للعلامات
وجودا معبرا وواضحا (كما لا حظ و كتب ذلك أول مرة كل من الكاتبين عند الكببر
الخطيبي و إدموند عمران المالح وآخرون في كتاب « عشق العلامة» المنشور بمعهد
العالم العربي).
وكتبت عنه
الناقدة البارزة نيكول بونتشارا قائلة : « تتميز لوحات الشرقاوي بكونها بقايا أثار
مسجلة في هضاب عليا لا تراها سوى الطيور، أو كموتيفات على راحة اليد أو كعوب، هي
بمثابة طقس غريب مليئ بالحياة والحبور. وليس هينا قراءة هذه العلامات، إنها لا
تقول غير ذلك الوجود الذي لها في اللوحات. الألوان الدافئة وحركية الخطوط ترحل بنا
نحو الصحراء، ترينا السماء الزرقاء التي خلف حدائق الواحات. النقطة تصير الكلمة
الخالقة، والخط بدائيا وبليغا يمنح قوة الولادة، والفراغات الداخلية فهي
مضمخة بجو صوفي يحبل ببذرات ساخنة كالأجرام».
هذا الذي
يتحد في تأكيد ريادته العبقرية مات في سن التالثة والثلاثين عقب عملية جراحية
تافهة على الزائدة الدودية! ترى لو ظل حيا ماذا ستكون عليه شهرته...

إرسال تعليق