-->

آخر الأخبار

جاري التحميل ...

بجعد.. الأم الحنون التي هجرها أبناؤها

يحيــى عمران
في نقاش ودي بين مجموعة من الأصدقاء البجعديين متسائلين حول شأن هذه المدينة المباركة، وحول تاريخها الضاربة جذوره في عمق التاريخ من جهة، وعن سر فشلها إلى اليوم في تحقيق نقلة، أو خطوة نحو الأمام في مقارنة بالمدن قرينتها التي ترتدي نفس جلبابها التاريخي القديم.
في لحظات احتدام جذوة النقاش واشتعالها كنت أرتدي قبعة المستمع الباحث عن الخيوط الدقيقة التي من شأنها إيصالي إلى فك ألغاز هذه المدينة العتيدة التقطت أداة سماعي تشبيه غني بليغ معبر عن مصير مدينة صدر عن أحد المتحاورين أفرغه عن ضلوعه على ثغره الباسم،أكد أنه روي عن أحد أشهر الفاعلين المدنيين بأبي الجعد شبه فيه المدينة “ابي الجعد” بالأم الحنون التي ربت ودرست ورعت أبناءها فلما اشتد ساعدهم هجروها وتخلوا عنها.”
صدق الكلام فقد استفزني القول بل أثارني هذا التشبيه للوهلة الأولى وبعد لحظات- ومن خلال ما أعايشه وأراه بشكل يومي بالمدينة الطيبة- بدأ التشبيه يحتل مقامات بداخلي استجابة وقبولا بلغ حد الاقتناع.
قد يبدو هذا الاقتناع حكما من الأحكام الجاهزة الذي قد يتفق معي حوله قطاع واسع من القراء ويختلف معي بشأنه ما تبقى منه بناء على ما سأطرحه أمامكم من مسوغات تبدو لي منطقية، يمكن رصدها على الشكل التالي:
لقد عرفت القلعة الحصينة منذ عهود بريادتها التعليمية وطنيا على مستوى تخريج الكفاءات العلمية والأدبية خاصة في مستويات التعليم التأهيلي.
طبعا الأسباب وفق مجموعة من أهل الدار يرجع إلى البيئة والمحيط الطبيعي (الغابة) والمحيط السوسيو ثقافي الذي كان يغذي روح المبادرة ويوقد قبس المنافسة حول الدراسة والتعلم. باعتبار أن الأمر يشكل فخرا للتلميذ وأسرته داخل المدينة التي اختفت ملامحها الجميلة خلف مساحيق فقد صلاحيتها وأفقدت واضعتها الشابة الفاتنة رونقها وألقها البريء.
ولأن طابع الزاوية هو المخيم على المدينة فقد ظلت المدينة محتفظة بهويتها الثقافية ومرجعياتها الخصوصية. وذلك من خلال عاداتها وتقاليدها؛ إذ ساهمت هذه المنظومة الثقافية المحافظة في إنتاج الكفاءات وتخريج الأفواج من الأطر التي تسير دواليب هذا الوطن اليوم في صمت وسكون.
المدينة كانت مرتعا معروفا جهويا بل وطنيا للمهتمين في تكوين وتأطير الشباب عبر بوابة دار الشباب قبل أن تحط رحالها اليوم بحي سيدي الحفيان. فقد عرفت دار الشباب قديما بالتأطير والدينامية والنشاط الثقافي والتربوي من خلال جمعيات رائدة تتزعمها جمعية “الامل”. لقد أنتجت هذه السياقات كوادر وأطر أضحت سفراء لهذا البلد عبر الوطن وخارجه في مواقع متعددة ومتخصصة .
كوادر في الوزارات الحساسة، في الإدارة الترابية والعدل والمصالح الخارجية للوزارات والدواوين والاذاعة والتلفزة والمكاتب السياسية والمجتمع المدني والهندسة ووكالات الفضاء بأوربا وأمريكا والرياضة والفن والموسيقى والثقافة والأوقاف…..
بلد أرضعت ثديه كل هذه الكفاءات ومسحت عن جبهته آتار شمسها الحارقة وبرودتها القارسة، ووفرت له شروط النجاح والتفوق على بساطتها، وإن كانت تبدو لمن وصل اليوم عادية اعتيادية.
أضحت البلد اليوم ضائعة بعد هجرة أو تهجير أبنائها عنها، وشتان بين الأمس واليوم مثلما شتان بين السماء والأرض.
لتتناسل الأسئلة من رحم هذا الموطن الولود الودود على هذه الشاكلة:
من سيهتم بهذا البلد؟ أليس أبناؤه الذين يعر فهم ويعرفونه أكثر مني، وتربطه بهم علاقات عميقة تعادل ارتباط الأم برضيعها؟ أين رحل هؤلاء؟ من سيسير شانه الداخلي؟من يؤثث بيته وينفض عنه غبار التهميش والإهمال والإقصاء؟ من يدرس أبناءه ويطبب مرضاه؟ من ينصف مظلومه ويعاقب المتحامل عليه؟ من يناضل لأجله ويحتج على مفسده وسارق ثرواته؟ من يؤطر شبابه ويدعم فقراءه؟ من يخلصه من عاداته السيئة؟ ومن يزرع الأمل في قلوب أطفاله ويحتضن أجياله القادمة؟ من ومن فمن ثم من؟؟؟؟؟.
والتزام مني بالعلمية والموضوعية في البحث وإطلاق الأحكام. ألا يصح أن تتفق معي حول ما كان حكما جاهزا في بداية النقاش أضحى مبررا بعد تقديمي لهذا المشموم من الأدلة والشواهد.
وقد يدفعك هذا أكثر لتسائلني عن تقديم صورة أكبر عن المشهد بأبي الجعد،سارد بحب وحرقة وانشغال كبير. هاك المشهد الملتقط إلى حدود كتابة هذه السطور. أكثر ما نجده صراعات واقتتال في الخفاء والعلن حولت المدينة الهادئة إلى وكر لنصب الدسائس وإنتاج الإشاعات وتصديقها وتركيب المصائد والتشفي على كل من إخطإ في غياب تام لعبارات التشجيع والتحفيز وإعادة الاعتبار للهوية المحلية دون إحساس بعقدة النقص….
 المجتمع السياسي اليوم إو السياسوي بإبي الجعد مهترئ اهتز عرشه بفعل الممارسات المنحطة والسلوكات الخاطئة المتسمة بالرعونة والعبثية.
 المجتمع النقابي منقسم على نفسه يتأرجح بين الموت والحياة من أجل أن يربح رهان البقاء والشرعية،باحثا في طياته عن قشة يقسم بها ظهر من كان صديقا بالأمس فأضحى عدوا لذودا اليوم.
 المجتمع المدني الذي نخرت جسده الخناجر القديمة الصدئة ولونت مياهه الآسنة ركام ما حملته الحملة السياسوية من مخلفات ما عاد يتبين فيها السمين من الغث، وما صار يميز فيها بين الزبد الذي يذهب جفاء وما يبقى ماكثا في الأرض.
 مجتمع شبابي ضائع في ردهات المقصورات الالكترونية بدون بوصلة، أرهقته الساعات الخصوصية ليلا، فارا دبها متنفسا لمشاكله غير المعروفة.اتعب بها أولياء أمره من الجيل العتيق بعد أن أثقل كاهلهما وأضعف حقيبة جيبهما.
فإن أردت فهي ليست كل الصورة بل هو مقطع منها يحمل عنوان له خصوصيته يدعى”صنع بابي الجعد”.
هل نحن اليوم بأبي الجعد أمام هجرة لأطرها أم تهجير مفتعل لإفراغها وإضعافها وتحويلها إلى زاوية من الزوايا التي ما عادت تصلح حاليا إلا لزيارة مقابر أو ليائه أو التبرك ببركاتها التي يعتبرها أهل الدار من باب الجهل والتخلف الفكري.
أو هي محطة لقضاء سنوات التقاعد بعد خدمة طويلة بمدينة من المدن البعيدة ثم الرجوع للراحة والاستجمام والاستراحة بين أحضانها.
كثيرة هي الإشكالات التي يولدها النقاش حول المدينة التي أتنفس هواءها النقي الطاهر وأشرب من مائها وأفترش أرضها وألتحف سماءها، وأستشعر الألفة في أحضانها وكأنه طوق حمامة تحلق بين الألفة والآلاف.
كل هذا سيجعلني أحمل قلمي”البجعدي” لأعبر لها عن عشقي لها بالكشف عن مشاكلها واختلالاتها والبحث عن كل ما يمكن أن يساهم في نهضتها وازدهارها.
يتبع…
يحيـى عمرانyahia.amran@gmail.com

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

المحرر 24

2016