عبد الرحيم الشرقاوي
مع نهاية كل عام نكون
غالبا في أبهى الحلل داخليا، نتصالح مع ذواتنا، ونبدي لكل من يحيط بنا درجة عالية
من التسامح. نتهامس بعطف مع من شاركنا صنع الذكريات، نشكر من أضاء لنا الطريق
ونعفو عن من وضع لنا العقبات تل والعقبات.
وبما أننا في موعد الختام، نكون على استعداد نفسي لجرد ما وقع معنا...ما لم
يقع...وما تمنينا أن يقع...
بشىء من الرحمة مع أنفسنا وكثير من الهدوء، نسترجع شريطنا في جرد لأحداث فصل
من فصول حيواتنا تعداده سنة...إذا جنينا أكثر مما خسرنا نكون بذلك سالمين غانمين
آملين بقادم أجمل...وإذا كان العكس وخسرنا أكثر مما جنينا، لا نبطش بذواتنا أو
نسائلها عن الفشل، بل نكون أكثر إتزانا معها، لأن مراسيم المشهد الأخير تجبرنا على
ذلك، لا لشيء إلا لأنه موعد الرحيل، نجبر من خلاله على غض أبصارنا عن عوراتنا
ونكظم غيظنا مما صنعنا أو ما صنع بنا...نتوهم قسرا أن قادم الأيام سيكون بلا شك
الأجمل، فالانتصارات من صنع الهزائم والخيبات.
نودع سنة ونستقبل أخرى ولاشيء تغير بإستتثناء التواريخ...ولأننا نكون أكثر
رفقا بذواتنا في آخر المواعيد، نغتصب إبتسامة على شفاهنا متمتمين بأن القادم أفضل.
وبما أن آخر المواعيد لها موعد أخير كذلك، موعد لن يتخلف عنه أحد ولن يعفى منه
كائن مهما طال الأمد، ليس لتوديع فصل من
الحياة...بفشله...بأحزانه...بذكرياته...واستقبال فصل آخر بأمل قليل الألم وطموح
أكبر. بل هو الموعد الاستثنائي مع الموت...استثنائي لأنه المنتظر الأخير وهي آخر
محطات الرحيل...حيث يروى عن تلفت القلوب وإسترجاع ذكريات حياتنا...الأجمل
فقط...الأمتع فقط...فيها أحببنا بإخلاص ومعها أكرمنا بسخاوة...تختلط فيها رائحة
ثدي الأمومة في أول رضاعة بصرخة الحياة المعلنة عن الأبوة...فيها نحس بأطهر أنواع
الافتخار رغم أن لا وقت لدينا لتعداد لحظات الإنتصار...مع كل زفير إندهاش ومع كل
نفير إرتعاش. نرى الموت يدنو وبدورنا نقترب...نرى الدموع تنهمر، فنتذكر أيامنا
حينما جادت علينا السماء...نرى وجوها تحيط بنا فلا نطيل النظر فيها، لأن ملامحها
تننهينا عن الذهاب ومكتوب عليها أشياء بعنوان الإنتهاء. تكون جميع حواسنا كأنها
خلقت من جديد، مثل أزواج عرائس في موعد الزواج السعيد، ربما لأنها على دراية بموعد
سفر بعيد.
هذا كل ما رواه لي مسافر الموعد الأخير...
-طالب
بالمعهد العالي للإعلام والإتصال

إرسال تعليق